أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني

58

العمدة في صناعة الشعر ونقده

- ومن هاهنا عظم الشعر ، وتهيّب أهله ؛ خوفا من بيت سائر تحدى به الإبل ، أو لفظة شاردة يضرب بها المثل ، ورجاء في مثل ذلك ، فقد رفع كثيرا من الناس ما قيل فيهم من الشعر بعد الخمول والاطراح / حتى افتخروا بما كانوا يعيّرون به ، ووضع جماعة من أهل السّوابق والأقدار الشريفة ، حتى عيّروا بما كانوا يفتخرون به . - فممّن رفعه ما قيل فيه من الشعر بعد الخمول : المحلّق « 1 » ؛ وذلك أن الأعشى قدم مكة ، وتسامع الناس به ، وكانت للمحلّق امرأة عاقلة - وقيل : بل أمّ - فقالت له : إن الأعشى قد « 2 » قدم ، وهو رجل مفوّه مجدود « 3 » الشعر ، ما مدح أحدا إلا رفعه ، ولا هجا أحدا إلا وضعه ، وأنت رجل - كما علمت - فقير ، خامل الذّكر ذو بنات ، وعندنا لقحة « 4 » نعيش بها ، فلو سبقت الناس إليه ، ودعوته إلى الضيافة ، ونحرت له ، واحتلت لك فيما تشترى به شرابا يتعاطاه - لرجوت لك حسن العائدة « 5 » ، فسبق إليه المحلّق ، وأنزله « 6 » ، ونحر له ، ووجد المرأة قد خبزت خبزا ، وأخرجت نحيا « 7 » فيه سمن ، وجاءت بوطب « 8 » لبن ، فلما أكل الأعشى وأصحابه ، وكان في عصابة قيسيّة ، قدّم إليه الشراب ، واشتوى له من كبد الناقة ، وأطعمه من أطايبها ، فلما جرى فيه الشراب ، وأخذت منه الكأس سأله عن حاله وعياله ، فعرف البؤس في كلامه ، وذكر البنات ، فقال الأعشى : كفيت أمرهنّ ، وأصبح بعكاظ ينشد قصيدته « 10 » :

--> ( 1 ) هو عبد العزى بن حنتم بن شداد ، من بنى عامر بن صعصعة ، وإنما سمى محلّقا لأن حصانا له عضّه في وجنته ، فحلق فيه حلقة . وانظر خبر اتصال المحلق بالأعشى في الأغانى . المعارف 89 والأغانى 9 / 115 ( 2 ) سقطت « قد » من ف والمطبوعتين . ( 3 ) في المطبوعتين : « مجدود في الشعر » . ( 4 ) اللقحة : الناقة ذات اللبن . انظر اللسان في لقح [ لقح ] . ( 5 ) في ف : « لرجوت حسن . . . » ، وفي المطبوعتين : « . . . حسن العاقبة » . ( 6 ) في ف والمطبوعتين : « فأنزله » . ( 7 ) النحى : إناء للسّمن خاصة . انظر اللسان في [ نحا ] . ( 8 ) الوطب : سقاء اللبن . انظر اللسان في [ وطب ] . ( 10 ) ديوان الأعشى 253 - 261 ، مع اختلاف في بعض الألفاظ والترتيب .